الشيخ محمد هادي معرفة

371

تلخيص التمهيد

الناسخ والمنسوخ في القرآن النسخ والإصلاحات التشريعية من طبيعة الحركة الإصلاحية الآخذة إلى التقدّم بوجه عامّ أن يتوارد على تشريعاتها نسخ متتابع حسب تدرّجها التصاعدي نحو قمَّة الكمال . تلك طبيعة الحركة الإصلاحية محتّمة ، ولا سيَّما إذا كانت الامَّة الَّتي انبعثت فيها هذه النهضة التقدّمية امَّة متوغّلة في الضلال وبعيدة عن معالم الحضارة إلى حدّ كبير ، حيث الانتشال بها من واقعها السحيق والانسجام مع سجيَّتها المتوحِّشة ، لممّا يبدو متعذّراً ويتطلّب طيّ عقبات ومراحل متلاحقة . وهكذا استدعت التشريعات الإسلامية نسخاً متتالياً منذ أن ظهرت الدعوة في مكَّة المكرَّمة وحتّى إلى ما بعد الهجرة إلى المدينة المنوَّرة ، وقد انتهت شريعة النسخ - فيما يخصّ آي الذِّكر الحكيم - بوفاته صلى الله عليه وآله حيث انقطاع الوحي . وكانت ظاهرة النسخ أمراً لابدَّ منه في كلِّ تشريع يحاول تركيز معالمه في الأعماق ، والأخذ بيد امَّة جاهلة إلى مستوى عالٍ من الحضارة الراقية ، الأمر الَّذي لا يتناسب مع الطفرة المستحيلة ، لولا الأناة والسير التدريجي المستمرّ خطوة بعد خطوة . ومن ثمَّ فإنَّ النسخ ضرورة واقعية تتطلّبها مصلحة الامَّة ذاتها ، ولم يكد ينكر ما لهذه الظاهرة الدينية من فائدة وعوائد تعود على الامَّة ، وأعظِم بها من حكمة إلهيَّة بالغة . سلسلة تدوين هذا العلم ولم يخف على العلماء ما لظاهرة النسخ من حكمة واقعية وحقيقة ثابتة لا محيص عنها ،